فضل حسن عباس
196
قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )
وأما ثانيا : فلأن هذه الأشعار إذا خضعت للنقد فسيظهر أن كثيرا منها سيتطرق إليه الشك ، بل سنجد أن هذه الأشعار هي التي تأثرت بالقرآن ، كما تأثرت به العصور التالية فيما بعد . وأما ثالثا : وهو ما يعوّل عليه كثيرون من شعر أمية بن أبي الصلت ، فإن أمية مع أنه لم يدّع النبوة فإن شعره كان مزيجا مما أخذ من القرآن وغيره ، وهذا ما لاحظه ( هوارت ) ؛ فقد لاحظ أن أمية عندما يتكلم عن وصف النار يقلد أسلوب التوراة ، وعندما يشرع في وصف الجنة يستخدم عبارات القرآن ، وعندما يقص التاريخ الديني يلجأ أحيانا إلى الأسطورة الشعبية ، وإلى ما يشبه الأساطير الميثولوجية ( أو أساطير الآلهة اليونانية ) حيث يتمثل الشخص أحيانا في صورة إنسان ، وأحيانا في صورة حيوان أو نبات « 1 » . وأما رابعا : فلقد كان العرب يرصدون النبي في كل كلمة وموقف وكانوا سيجدون خير فرصة سانحة لهم للتشهير لو وجدوا جزئية واحدة تدل على هذا التأثر . فإذا تركنا الحنفاء جانبا وجدنا أن من الممكن أن ينشأ سؤال آخر ، لقد كان هناك من يسمون الصابئة في المجتمع الجاهلي ، ولقد أشار إليهم القرآن في أكثر من آية ، فلم لا يكون القرآن قد أفاد من هؤلاء ؟ والجواب عن هذا التساؤل أيسر من سابقه ، فالصابئة كانوا يحجون إلى حران في العراق بدل الكعبة ، وكانوا يعبدون النجوم والكواكب وكانت طقوسهم الدينية عند طلوع الشمس وعند زوالها وغروبها ، وهي الأوقات التي حرم الإسلام العبادة فيها ، وكانوا يبيحون الزواج من بعض المحارم ، ومن هؤلاء عقائدهم وعباداتهم يبعد كل البعد أن يقبس القرآن منهم شيئا . وبعد فالمجتمع بكل عناصره وفئاته لا يصلح أن يكون مصدرا لهذا القرآن الذي جاء يصحح له قواعده وعقائده ، ولا بد أن نبحث عن احتمال آخر .
--> ( 1 ) « مدخل إلى القرآن الكريم » للدكتور محمد عبد اللّه دراز ص 144 .